يشهد الأردن انفتاحاً حضاريّاً هائلاً، إذ أصبح مقصداً للعديد من النّاس من مختلف أنحاء العالم، إمّا بغرض العمل أو بغرض الدّراسة. وذلك ليس على مستوى الأشخاص فحسب، بل على مستوى عائلاتهم أيضاً. فنرى الكثيرين منهم قد التحقوا بالصفوف الدّراسية في مراحلها المختلفة، ولاسيما المراحل الدراسيّة الأولى، ومراحل ما قبل المدرسة بشكل خاص. حرصاً منهم على تعلم العربيّة اللغة الرسميّة للمملكة الأردنيّة التي يعيشون على أرضها. هذا لإن تعلّم اللغة العربيّة يشكّل مطلباً أساسيّاً لاندماجهم وأطفالهم في المجتمع العربيّ الأردنيّ، ومتابعة تعليمهم في مدارسه. وهذا ما يعتبر من التّحديات الصّعبة التي تواجههم، والتي تواجه أيضاً معلّمي اللغة العربيّة لغير الناطقين بها على حد سواء، من حيث إيجاد السّبل والأدوات المناسبة لكل من متعلمي اللغة العربيّة على مختلف أعمارهم. كما وتواجه هذه التّحديات صانعي القرار والخبراء في مجال صنع واستخدام أدوات تعليميّة مناسبة وحديثة في مجال تعليم اللغة العربيّة كلغة أجنبيّة، وذلك كي تتماشى هذه الأدوات مع الثّورة التّكنولوجيّة في مجال التّعليم بشكل عام.
واللغة العربيّة هي لغة القرآن الكريم والسّنة النّبوية الشّريفة، وهي حاضنة تراث وثقافة المجتمع العربي، وإحدى أكبر لغات المجموعة السّاميّة من حيث عدد المتحدّثين بها، والبالغ عددهم 467 مليون شخص حول العالم في عام 2018. كما أنّها واحدة من أصل ست لغات رسميّة معتمدة في منظّمة الأمم المتّحدة وعدد من الهيئات العالميّة الأخرى، مما يدلّ على أهميّة اللّغة العربيّة باعتبارها من أهمّ لغات الحضارة والثّقافة والدّبلوماسيّة في العالم، ومما يشكّل عاملاً هامّاً في إقبال الدّارسين من مختلف أنحاء العالم على تعلّمها وازدياد عددهم في كل عام. ولكن، تعتبر هذه اللغة من إحدى اللغات الصّعبة للتعلّم، ويواجه متعلموها العديد من الصّعوبات والمعيقات في ذلك. فقد صنّفها معهد الخدمات الخارجية التابع لوزارة الخارجية الأميركية [Foreign Service Institute (FSI), 2018] كواحدة من أصعب أربع لغات للتعلم في العالم إلى جانب اللغة اليابانية واللغة الصينية واللغة الكورية. ويرى عبد الله (Abedalla, 2015) أن سبب صعوبة هذه اللغة يعود إلى عدّة عوامل مثل: تعقيدها النحوي، ووجود تنوّع في لهجاتها، وتطوّر مفرداتها، فهي تحوي كمّاً هائلاً من المفردات اللغويّة التي تعتبر من العناصر الأساسيّة في تعلم اللغة العربيّة كلغة أجنبيّة.
تلعب المفردات دوراً كبيراً في النّشاط الأكاديمي بصورة عامّة، وفي تعلّم اللغة بصورة خاصّة. حيث ركّزت البحوث الحديثة في مجال تعليم اللغات الأجنبيّة على تعليم المفردات بوصفها طريقة أساسيّة لاكتساب اللغة. وترى هذه البحوث أن الدّور المحوري في تعلّم المفردات يكمن في القدرة على استخدام اللغة وإكساب المتعلم الطّلاقة اللغوية. كما توضح هذه البحوث أنّ مهارات اللغة الأربع تعتمد اعتماداً كبيراً على حجم مخزون المفردات الذي يمتلكه المتعلّم، ولاسيما في المراحل الأولى من تعلّمه. إذ يحتاج إلى تعلّم قدر كاف من المفردات شائعة الاستعمال في اللغة الهدف لكي يتمكّن من النّجاح في تعلّم هذه اللغة واستخدامها وإتقان مهاراتها (Zhi-liang, 2010).
هذا ما يعني أنّ تعلم المفردات هو أساس لمهارات اللغة الأربع: القراءة، والكتابة، والمحادثة، والاستماع. وبذلك فالمتعلم بحاجة إلى أن يبني معجماً لغوياً خاصاً به يشتمل على عدد كاف من المفردات كي يتمكن من النجاح بهذه المهارات (عبده، 2010). كما تمّ الكشف باستمرار من خلال الدّراسات المتعلقة بمجال تعلم اللغات أنّ حجم المفردات مرتبط مع غيره من مقاييس الكفاءة باللغة، ومرتبط أيضاً بالتّنبؤ بالقدرة اللغويّة الوظيفيّة. وأنّ هنالك علاقة قوية بين حجم حصيلة المفردات لدى الفرد والنجاح في العديد من امتحانات الكفاءة العامة. وأيضاً، فإنّ الاهتمام بحصيلة المفردات يساعد على زيادة الخبرات والمعارف والتّجارب والمهارات لدى المتعلم، وبالتالي زيادة المحصول الفكري والثقافي والفني بشكل عام. ويساعد أيضاً على فهم وإدراك القراءة، وفهم التّراث الفكري والنصوص الأدبيّة، وهذا ما يجعل تعلّم المفردات نقطة محوريّة في تعلّم أي لغة (Ricks, 2015).
ويعدّ تعليم المفردات أمراً ليس سهلاً، بل يحتاج إلى طرق وأساليب وأدوات مناسبة. وبالنّظر إلى ما يحدث أثناء استخدام طرق تعليم المفردات التقليديّة؛ فيلاحظ أنّ الطلاب يشعرون بالملل أثناء الاستماع إلى معلّميهم وهم يقومون بعرض المعنى، والنّطق، وهجاء المفردات الجديدة. كما يلاحظ أن الطلاب يفقدون اهتمامهم في تعلم المفردات إذا كان مطلوباً منهم تعلّم الكلمات والإملاء من خلال الحفظ عن ظهر قلب، أو إذا تمّ إعطاءهم عبء ثقيل من المهام للتدريب على المفردات. وبهذا فقد أصبحت كيفيّة مساعدة الطلاب على تعلم مفردات اللغة الأجنبيّة بشكل فعّال قضية جوهريّة في الوقت الحاضر، وخاصّة لدى متعلّمي اللغة من الأطفال الصّغار [National Reading Panel (US), National Institute of Child Health and Human Development (NICHD), 2000].
فتعليم اللغة الأجنبية للأطفال قد لاقى اهتماماَ لدى العديد من البحوث والدراسات، بل أصبحت أغلبيّة البحوث تدعم البدء بتعليم اللغة الأجنبيّة في سنّ مبكّرة ابتداءً من مرحلة رياض الأطفال، وذلك لاعتبارات عديدة منها العلميّة، والنفسيّة، والتربويّة. إذ تتحدّد في هذه المرحلة سمات شخصيّة الطّفل وتتطوّر جوانب نموّه كافّة، ولا سيما النموّ اللغويّ. ومما استنتجته هذه البحوث، أنّ الأطفال يستطيعون تعلم اللغة الأجنبيّة بجهد أقلّ بكثير من الجهد الذي يبذله البالغين في ذلك، وهذا ما يعود إلى أنّ دماغ الأطفال له قدرة على امتصاص المعلومات الجديدة بشكل أفضل كجزء من عملية نموّهم (Lennenberg, 1967).
كما أشارت الدّراسات إلى وجود فوائد معرفيّة ولغويّة وثقافيّة لتعلم أكثر من لغة لدى الأطفال، فسيمكّنهم ذلك من تطبيق التعلم الذاتيّ والدخول إلى عوالم أوسع للمعرفة في المستقبل. وأن البدء بتعلم اللغات الأجنبيّة في سن مبكّرة جداً يعدّ من العوامل التي تسمح للأطفال باكتشاف الثّقافات الأخرى، والاستعداد بشكل أفضل للحراك المهنيّ في المستقبل. وتوضح هذه الدّراسات أنّ الأطفال الذين يتعلّمون لغة أجنبيّة يصبحون أكثر تفتّحاً على الثّقافات الأخرى، وأكثر تفهّماً لقيمها، لأنّ اللغة هي حاضنة الثّقافة في أيّ مجتمع. كما يصبح أولئك الأطفال أقدر على التواصل مع الأفراد الآخرين في هذا المجتمع، ويتمكّنون من اكتساب قدرات إبداعيّة تساعدهم على مواجهة التحديّات وحل المشكلات، وتساعدهم على التّمتع بشخصيّة ناجحة في الحياة (القاسمي، 2005).
وإذا كان تعليم اللغة الأجنبيّة للأطفال يتم باستخدام استراتيجيّات وأدوات مناسبة، فإن ذلك سيزيد من قدرتهم على تعلّم هذه اللغة دون أن يشعروا بالملل. فيفضّل أن يتمّ تعليم اللغة الأجنبيّة للأطفال الصّغار في بيئة صفيّة داعمة ومحفّزة، وأن توفّر لهم فرصاً لتعلّم وتطوير اللغة من خلال أسلوب محبب لهم ألا وهو اللعب. إذ يعدّ اللعب خبرة تعلميّة قويّة ومرنة ومسليّة وممتعة للأطفال، ويساعدهم على تعزيز التّواصل والتّفاعل الشفوي فيما بينهم، ويضعهم في موقع استخدام ذي معنى للغة. فالأطفال يتعلمون وهم يلعبون في سياق نشاط ما، وتلك طريقة وظيفيّة ملائمة لتعلمهم. ويكون تنظيم خبرات التعليم وفقاً لما يعرف باللعب التعليميّ، حيث يجري اللعب بطريقة لا يفقد معها عفويّته، ويحثّ الأطفال على التّفاعل النّشط مع المثيرات الحسيّة التي تجذبهم، وتشدّ انتباههم، وتلبّي حاجاتهم، وتنمّي مهارات التفكير لديهم. وبمعنى آخر؛ يعيش الطفل طفولته في سياق نشاط اللعب التعليميّ، وإنّ ما ينتج عن هذا النشاط هو التعلم (الحيلة، 2003).
يعتبر اللعب ضرورة بيولوجيّة من أجل إتمام عملية التطوّر والنموّ لطفل مرحلة ما قبل المدرسة، وهذا ما أجمعت عليه الدّراسات ونظريّات علم النّفس، والتي تؤكّد على الدور الوظيفيّ الفعال للعب خلال سنوات الطفولة المبكّرة في تكوين شخصيّة الفرد، وبناء نفسيّته في جميع مراحل نموه. وأيضاً فإنّ اللعب يمكّن الطفل من اكتشاف البيئة المحيطة به، ومن خلاله تتطوّر لغة الطفل وتفكيره، فتدعم الجوانب الاجتماعية والعاطفية لديه، ويتحسّن نموه العقلي والجسمي أيضاً (عثمان، 2010). كما أنّ بعض أنواع اللعب تتيح للأطفال الفرصة بتطوير مخزونهم اللغويّ من خلال التكلّم مع بعضهم بعضاً. حيث ترتبط الأفعال في اللعب مع الكلمات، ويقوم الأطفال باستخدام هذه الكلمات فيما بينهم. فكلّما ازداد تفاعل الأطفال مع الآخرين تزداد إمكانيّة نموّ مخزونهم اللغويّ، وتزداد قدرتهم على تطوير مهارات اللغة الشفوية (عبد الله، 1997).
وهذا ما يتّفق مع منظور بياجيه في النموّ المعرفي لدى الأطفال فيما يعرف بمرحلة ما قبل العمليات، والتي تبدأ في السّنة الثّانية وتستمر حتى السّنة السّابعة من عمر الطفل. إذ تتصف هذه المرحلة بوجود نموّ سريع للغة، لكن لاتزال قدرة الطفل على التعلم بشكل رمزي وقدرته على تكوين مفاهيم مجرّدة قاصرة لديه في هذه المرحلة. فعمليّة تعلم المفاهيم لديه لاتزال مرتبطة مع الأفعال البدنيّة، أي أن الطفل في مرحلة ما قبل العمليات لا يتقن بعد الأفعال والعمليات التي تجرى وتعكس عقليّاً وليس بدنيّاً (ولفولك، 2015). كما يعتمد الطفل في هذه المرحلة على التّخمين أكثر من التفكير المنطقي، ولهذا يوصى بالإكثار من المواقف التعليمية التي تدعم عملية إدراك الطفل للعلاقات بين الأشياء بشكل صحيح، وذلك من خلال اختيار الوسائل المناسبة لعمر الطفل ومرحلة نموّه المعرفي، والتي تمكّن الطفل من التوفيق بين تصوّره الفعلي للأشياء والموضوعات وبينما يحدث حقّاً في بيئته، والتي أيضاً تشجّعه على الاستكشاف والاستطلاع لتنمية الابتكار لديه، ويكون اللعب خير وسيلة لذلك (عثمان، 2010).
كما يشير عبد الله (1997) إلى أنه من أجل أن يتمكّن الطفل من القيام بعمليات التفكير المنطقيّ، فعليه أن يكتسب خبرات عمليّة عن طريق التعامل مع الأشياء ومعالجتها مباشرة. وفي مجال تعليم اللغة، فإن الجهود التي تعتمد على اللغة فقط، ولا تتضمّن تفاعل الأطفال مع البيئة المحيطة بهم بشكل نشط، تعتبر جهود خاطئة، ولا تؤدي إلى دوام التعلم لفترة طويلة. ولهذا يشكل اللعب عاملاً أساسياً في عملية تعلم الأطفال في مرحلة ما قبل العمليات، ذلك لما يتصف بنشاطات بدنيّة تساعد الأطفال على عملية التعلم في هذه المرحلة. ويوضح عبد الله ذلك بأن البيئة المحيطة بالطفل توفّر له عدة وسائل تثري إدراكه وخبراته مثل اللعب والدّمى، وأيضاً مثل تفاعله مع الكبار ومع الأقران، فيتمكّن بذلك من إثراء خبراته المحسوسة. وهذه الخبرات المكتسبة عن طريق الحواسّ والنّشاط العمليّ يقوم الطفل بتثبيتها في ذهنه بواسطة اللغة، فيعبّر عن الأشياء المحسوسة برموز مناسبة وهي المفردات. وبشكل أدق، يؤكد عبد الله على حدوث تفاعل فيما بين اللغة وتطور النموّ الحركي للعضلات الدقيقة. فعندما يقوم الطفل بتلوين إحدى الرسومات، ويقوم بالتحدّث عنها في نفس الوقت، فإن ذلك يؤدي إلى وجود محتوى لغوي لدى هذا الطفل مرتبط بوجود النّشاط الحركي للعضلات الدقيقة، ومرتبط أيضاً بواقع حياة الطفل واهتماماته، فيحدث تعلم اللغة لديه في سياق ذو معنى.
ومع التطوّر التّكنولوجيّ المتسارع في مجال التعلم والتعليم، فقد تزايد الاهتمام في السنوات الأخيرة بالإمكانيّات التي تمتلكها الألعاب المحوسبة كأدوات تعليمية. ويجد خبراء تكنولوجيا التعليم صعوبة في تجاهل هذه الألعاب ذات القوّة الاجتماعيّة والتكنولوجيّة والثقافيّة دون ضمّها إلى عمليّة التعلم والتعليم. فمجال التعليم في الوقت الحالي يعمل على أن يواكب مثل هذا النوع من التطوّر التكنولوجيّ، كي يصبح أكثر كفاءة وفعاليّة. وذلك بتربية الجيل الجديد بعيداً عن الأساليب القديمة (Prensky, 2001). ويتفق هذا مع نظرة ديوي (Dewey, 1916) التجديديّة في عملية التعلم والتعليم، فهو يرى أنّه "إذا علمنا أطفالنا كما تعلمنا في البارحة، فإننا نحرمهم من الغد".
فبرزت الألعاب التّعليميّة المحوسبة كوسيلة تكنولوجيّة حديثة ومشوّقة وجذّابة وفعّالة في حياة المتعلمين، وكوسيلة تساعدهم على تطوير معارف أكثر ملاءمة للعصر الرقمي. وأصبح ينظر إلى هذه الألعاب كأداة واعدة في تعزيز دافعيّة الطلاب، وفي تحسين أدائهم الدراسيّ. كما يعتقد أنّها تساعد على خلق بيئات تعلم جذّابة أكثر فاعليّة من طرق التعلم التقليديّة. ومن مزايا هذه الألعاب أنها حولت نهج التعلم التقليدي المتمحور حول المعلم إلى نهج حديث يركّز على المتعلم، وشجّعت المتعلمين على الانخراط بشكل أعمق في عمليّة التعلم (Chen and Hwang, 2014).
وتشكّل هذه الألعاب دوراً مهمّاً في حياة المتّعلمين الأطفال بشكل خاص، فأصبح من المفضّل أن تستخدم التّكنولوجيا ووسائط الإعلام التفاعليّة عمداً من قبل معلمي الطفولة المبكّرة، في إطار الممارسة المناسبة من الناحية التنموية، وهذا من أجل دعم أهداف التعلم المحدّدة لكل طفل [National Association of Young Children and Fred Rogers Center for Early Learning and Children’s Media, 2012]. واتجهت العديد من الدراسات إلى براز هذه الألعاب كأداة تعمل على توسيع إدراك وخيال الطفل وتوسيع عمليّات التفكير لديه، حيث تتضمّن بعض الألغاز التي تساعد على تنمية العقل والبديهة. كما تسهم في المنافسة الإيجابيّة بين الأقران من خلال اللعب، وقد تقود اللاعبين أيضاً إلى أفكار ومعلومات جديدة. وتوفر هذه الألعاب للأطفال بيئات تعلم تفاعليّة، والتي تمكّنهم من تعلم أنواع مختلفة من المعرفة، وتطبيق هذه المعرفة لاحقاً في حياتهم اليوميّة (Pivec, 2007).
وهنا يجدر بالذّكر أنّ كثير من هذه الألعاب تبنى على أسس تجاريّة، وقد يغيب الجهد التربويّ عنها بوضوح. وهذا ما يشير إليه سكوير (Squire, 2005) كالسبب الرئيسي لتشتيت انتباه الطلاب أثناء استخدامهم لهذه الألعاب، فيتعذر على البعض منهم معرفة ما الهدف المحدّد من النشاط الذي يقومون به من خلال ممارسة هذه الألعاب التجارية أثناء الدّرس. كما أنّ هذا المجال لايزال حديثاً نسبياً، ولا تزال مزايا وعوائق استخدام مثل هذه الوسائل التكنولوجيّة في السّياق المدرسيّ غير واضحة بشكل كاف (Bate, MacNish, and Males, 2014). ولهذا ينبغي أن تبنى اللعبة المحوسبة التعليميّة على أسس تربويّة قويّة ومحكمة، كي تأتي بالنتائج المرجوّة.
أمّا فيما يتعلق بمجال تعليم المفردات، فقد تميزت الألعاب المحوسبة في هذا المجال من حيث إتاحتها لإمكانيّة التّكرار للمفردات. أي أن الأطفال يستطيعون حلّ الأنشطة في هذه الألعاب أكثر من مرّة، وفي أيّ وقت. وهذه الخاصيّة مهمّة جداً لتحسين عمليّة الاحتفاظ بالمفردات (الاكتساب المؤجل)، والتي يعتبر التّكرار عنصراً هامّاً في تشكيلها (Lampariello, 2012). فعمليّة الاكتساب المؤجل للمفردات لم تحظ بالكثير من البحوث والدّراسات المتعلقة بها، على الرغم من أنّها تشكّل نقطة محورية في عملية اكتساب المفردات. فمن أجل أن يحصل متعلمو اللغة الأجنبية على النتائج المرجوّة، يجب ألّا يكتفوا فقط بالاستعراض الجيد للمفردات بل أن يتمكّنوا أيضا من استرجاع هذه المفردات (الاكتساب المؤجل) في وقت لاحق. ولكي يتمكّنوا من ذلك، لا بدّ من استخدام وسائل وتقنيّات معينة تساعد على نقل هذه المفردات إلى الذاكرة طويلة المدى لديهم، كي يتمكنوا من استرجاعها في وقت لاحق. وهذا ما يقصد به بعملية الاحتفاظ بالمفردات أو ما يعرف بالاكتساب المؤجل لها (Mirzaii, 2012).
كما يفضّل الأخذ في عين الاعتبار، أنّ نظام اللغة في العالم يتغيّر بسرعة بسبب الاتّجاهات الدّيموغرافية والتّكنولوجيات الجديدة والاتّصالات الدوليّة (Graddol, 2004)، وعليه فإنّ تطوير أساليب واستراتيجيّات تكنولوجيّة حديثة تتماشى مع هذه التغيّرات، هو أمر من الواجب تفعيله في مجال تعليم اللغات الأجنبية، وخاصة في مجال تعليم مفردات هذه اللغات. ولكن لايزال هذا المجال يعاني من نقص هذه الأساليب الحديثة، ولايزال هنالك العديد من العوامل التي أدّت إلى قلّة استخدام الوسائل المحوسبة وابتكارها في مجال تعليم اللغات الأجنبية من قبل المعلمين، وخاصة في مجال تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية. وذلك مثل: اتّجاه مختصّي اللغة العربيّة نحو استخدام الوسائل الموجودة من قبل ودون العمل على ابتكارها، واتّجاه معلمي اللغة العربية نحو استخدام وسائل معيّنة تقليديّة غير محوسبة، وأيضاً مشكلة فئة المعلّمين القدامى الذين يعانون من ضعف السّيطرة على المهارات الحاسوبيّة، وقلّة المعرفة في استخدام الحاسوب، كما أن قلّة ورشات العمل والتدريب للمعلّمين على استخدام الحاسوب يعتبر سبب أساسي في ذلك (بن شهرير، 2013).
مما سبق يتضح أن عملية اكتساب المفردات في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها لم تحظ بقدر كاف من الدراسات، وخاصة في مجال تعليم اللغة العربية للأطفال كلغة أجنبية. كما لم تحظ الألعاب المحوسبة في مجال تعليم اللغة العربية بالقدر الكاف من الدراسات لبيان مدى فعاليتها وخاصة في مجال تعليم مفردات العربية. وانطلاقاً من هذا المنظور فإن هذه الدّراسة استهدفت استقصاء أثر استخدام الألعاب التّعليميّة المحوسبة في اكتساب بعض مفردات اللغة العربيّة الفوري والمؤجل لدى طلبة رياض الأطفال غير النّاطقين بها في الأردن.
مشكلة الدّراسة:
يتوافد على المؤسّسات التعليمية الأردنية سنوياً أطفال أجانب من مختلف مجتمعات العالم، بثقافاتهم المختلفة، وأجناسهم المتعدّدة ليتلقّوا تعليمهم فيها. فيواجهون مشكلات وتحديات عديدة تتعلّق ببرامج التّعليم، التي غالباً ما تفتقر إلى استخدام الألعاب التعليميّة المحوسبة، وبخاصة في مجال تعليم اللغة العربيّة للنّاطقين بغيرها. وهذه التّحديات تواجه أيضاً معلمي اللغة العربية للأجانب على حد سواء، من حيث إيجاد السبل والأدوات المناسبة لكل من متعلمي اللغة العربية على مختلف أعمارهم. كما وتواجه هذه التّحديات صانعي القرار والخبراء في مجال صنع واستخدام أدوات تعليمية مناسبة وحديثة في مجال تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية، وذلك كي تتماشى هذه الأدوات مع الثّورة التّكنولوجيّة الحديثة في مجال التعليم بشكل عام.
وعلى الرّغم من تعدّد الدّراسات حول استراتيجيّات تعلم المفردات، لم تحظ استراتيجيّات تعلم مفردات اللغة العربية كلغة اجنبية بالكثير من البحوث والدّراسات. كما أنّ تعليم المفردات لا يلقى اهتماماً واضحاً ضمن المناهج الدراسية لتعليم اللغة داخل الصفوف المدرسية، وقليلة هي الارشادات التي تساعد المعلمين على تعليم الأطفال للمفردات اللغوية (Neuman, Newman, and Dwyer, 2011). ومما يعتبر من إحدى المفاهيم الخاطئة في تعلم وتعليم المفردات أنها ليست بقدر أهمية القواعد أو جوانب اللغة الأخرى، وأن المعلمين والكتب الدراسية والمناهج تغطي مفردات اللغة الثانية بشكل كاف (Folse, 2004). وأيضا فإن عملية الاكتساب المؤجّل للمفردات والوسائل والتّقنيات المستخدمة في ذلك غالباً ما تغفل في الدراسات المتعلقة بمجال اكتساب مفردات اللغة الأجنبية، مع أنها عملية مهمّة للتمكّن من استرجاع هذه المفردات في وقت لاحق من تعلمها.
وفي حين أن الجيل الحالي من الطلاب قد تربى على نوع تفاعليّ من الألعاب الرقميّة، فإنه ينتظر أيضاً نوعاً تفاعلياً مماثلاً من الوسائط التعليميّة. فظهر ما يعرف بالتعلم القائم على الألعاب الرقميّة Digital Game Based Learning (DGBL) الذي قام برينسكي (Prensky, 2001) بتعريفه وإيضاح أهميّته، والذي كثرت الأبحاث التي تبين فعاليّته منذ ذلك الحين. لكن على الرغم من هذا الاهتمام المتزايد، إلّا أنّه يوجد هناك نقص في الأدلّة التّجريبيّة السّليمة التي تثبت ذلك، وقد يعود ذلك للإجراءات المختلفة لتقييم الفعاليّة، وتفاوت الأساليب في جمع البيانات، والنتائج غير الحاسمة أو التي يصعب تفسيرها (All, Nunez Castellar, and Van Looy, 2014). كما يمكن لمتغيّر تفريد التدريس، الذي عادة ما يرتبط مع استخدام الألعاب المحوسبة، أن بكون له أثر في الوصول إلى بعض النّتائج. ولقد عملت هذه الدراسة على تحييد أثر التفريد هذا، مما ميّزها عن غيرها من الدّراسات السّابقة وزاد من أهميّتها.
من جانب آخر، يعاني العديد من أطفال الرّوضة غير الناطقين باللغة العربية من ضعف القدرة على اختيار الألفاظ المناسبة في اللغة العربية، والخلط البيّن في استخداماتها، وقد لوحظ ذلك من خلال ملاحظات معلمات الروضة اللواتي يقمن بتدريس اللغة العربية لهؤلاء الأطفال. وجاءت هذه الدّراسة للبحث في مدى فاعليّة الألعاب التّعليميّة المحوسبة كإحدى الطّرق المقترحة في تعليم مفردات اللغة العربيّة للنّاطقين بغيرها، باعتبار المفردات جزءاً أساسيّاً ومهمّاُ من عمليّة تعليم اللغة العربيّة للأجانب، ولقياس أثر هذه الوسيلة في الاكتساب الفوري والمؤجّل لبعض مفردات اللغة العربيّة لدى الأطفال النّاطقين بغيرها في الأردن.
أسئلة الدّراسة:
سعت هذه الدّراسة للإجابة عن السّؤالين التّاليين:
1. هل هنالك فرق في متوسّط درجات الاكتساب الفوري لبعض مفردات اللغة العربيّة لدى الأطفال النّاطقين بغيرها في الأردن تعزى لطريقة التدريس؟
2. هل هنالك فرق في متوسّط درجات الاكتساب المؤجّل لبعض مفردات اللغة العربيّة لدى الأطفال النّاطقين بغيرها في الأردن تعزى لطريقة التدريس؟
فرضيّات الدّراسة:
تمّ في هذه الدّراسة اختبار صحّة الفرضيّات الآتية:
• لا يوجد فرق ذو دلالة إحصائيّة (α=0.05) بين متوسّط درجات أطفال المجموعتين، التجريبيّة التي تدرس باستخدام الألعاب الإلكترونيّة، والضّابطة التي تدرس بالطّريقة الاعتياديّة في الاكتساب الفوري لمفردات اللغة العربيّة.
• لا يوجد فرق ذو دلالة إحصائيّة (α=0.05) بين متوسّط درجات أطفال المجموعتين، التجريبيّة التي تدرس باستخدام الألعاب الإلكترونيّة، والضّابطة التي تدرس بالطّريقة الاعتياديّة في الاكتساب المؤجّل لمفردات اللغة العربيّة.
أهداف الدّراسة:
هدفت هذه الدّراسة إلى:
1. التّعرّف إلى أثر استخدام الألعاب المحوسبة في اكتساب مفردات اللغة العربيّة الفوري لدى الاطفال النّاطقين بغيرها.
2. التّعرّف إلى أثر استخدام الألعاب المحوسبة في اكتساب مفردات اللغة العربيّة المؤجّل لدى الأطفال النّاطقين بغيرها.
أهميّة الدّراسة:
تظهر أهميّة الدّراسة في النّاحيتين النّظريّة والتطبيقيّة:
أولاً-الناحية النّظريّة:
نظراً لقلّة الدّراسات المتعلّقة بأساليب واستراتيجيّات اكتساب المفردات في اللغة العربية لدى الناطقين بغيرها، يتّضح دور هذه الدراسة في لفت أنظار المعلمين الى أحدث الاستراتيجيّات المتّبعة في تعليم المفردات اللغويّة اثناء تعليم اللغة الأجنبيّة بشكل عام، وأثناء تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها بشكل خاص.
ويشهد العصر الحالي ثورة تكنولوجيّة هائلة. إذ انتشرت أنواع الأجهزة المحوسبة في مختلف تفاصيل الحياة اليوميّة، كما أصبحت الألعاب المحوسبة أكثر انتشاراً في حياة الأطفال. حيث تعتبر هذه الألعاب عنصر جذب مهمّ للأطفال، فهي تتماشى مع مراحلهم العمريّة وعلى مختلف مستوياتهم. وعليه فإنّ استغلال هذا الأمر وتوظيفه في خدمة التّعليم، وتكييفه لتحقيق أهداف التّعلّم والتّعليم قد أصبح من الضّرورات في هذا الوقت، لاسيما في مجال تعليم اللغات وخاصة في مجال تعليم اللغة العربية للأطفال الناطقين بغيرها.
وتأتي هذه الدّراسة لتتماشى مع أهداف العمليّة التّعليميّة التّعلميّة. والتي تسعى لزيادة مستوى اكتساب مفردات اللغة العربيّة لدى الأطفال النّاطقين بغيرها، وجعلهم قادرين على استخدام هذه المفردات بالوقت المناسب وفي الشكل المناسب، وتحسين تعلّمهم للّغة العربيّة، وتسهيل اندماجهم في المجتمع العربيّ الأردنيّ. كما إن هذه الدراسة عملت على ضبط متغيّر تفريد التدريس. فكان حاضراً في كلا المجموعتين موضع الدّراسة، وهذا كي لا يكون تفريد التدريس عاملاً مؤثراً في نتائج الدراسة.
ثانياً-النّاحية التّطبيقيّة:
تتماشى هذه الدّراسة مع منظور المنهاج الوطنيّ التفاعليّ لرياض الأطفال، من خلال دمج التّكنولوجيا بالتّعليم في مرحلة رياض الأطفال. كما تفيد هذه الدّراسة صانعي القرار بوزارة التّربية والتّعليم في تطوير البرامج التدريبيّة الخاصّة بمعلّمي اللغة العربيّة، لتحسين مهاراتهم التّدريسيّة أثناء تعاملهم مع الأطفال النّاطقين بغير بالعربيّة.
وتسهم في الكشف عن الانعكاسات المترتبة على استخدام الألعاب التعليمية المحوسبة في تعليم مفردات اللغة العربية للناطقين بغيرها من المتعلمين الصّغار. حيث تعتبر هذه الألعاب من الأدوات التعليمية المهمة أثناء تعليم الأطفال بشكل خاص، في ظل التطور التكنولوجي المتسارع في عملية التعليم بشكل عام.
كما تتميّز هذه الدّراسة عن غيرها بكونها تقيس الأثر المؤجّل لاستخدام الألعاب التّعليميّة المحوسبة في مجال تعليم مفردات اللغة العربيّة للأطفال النّاطقين بغيرها، وتعالج موضوع الاحتفاظ والتّذكر في التّعلم الناتج عن استخدام الألعاب التّعليمية المحوسبة في المجال نفسه.
مصطلحات الدّراسة وتعريفاتها الإجرائية:
ضمّت هذه الدّراسة عدداً من المصطلحات، وتم تعريفها إجرائيّاً على النّحو التالي:
الألعاب التّعليميّة المحوسبة: هي ألعاب محوسبة، تستخدم بغرض التّعليم والقصد من إمكاناتها التّرفيهيّة أن تكون محفّزة (Wechselberger, 2011). وتعرّف إجرائيّاً على أنّها: مجموعة ألعاب تعليميّة موجودة على شبكة الانترنت، وهي: ألعاب تطبيق (أ ب ت) لتعليم مفردات اللغة العربية، يتفاعل فيها الأطفال غير النّاطقين بالعربيّة مع الحاسب اللوحي بشكل موجّه من قبل المعلمين في روضة بيت التّلة الواقعة في عمان، تمّ اختيارها بشكل منسجم مع كراسيّ اللغة العربية الخاصّين بمنهاج الرّوضة. ومن الأمثلة على هذه الألعاب: لعبة تعلم (Learn)، ولعبة الصوت (Sound Game)، ملحق (6).
اكتساب مفردات اللغة العربيّة: هو أن يستطيع المتعلم نطق مفردات اللغة العربية نطقاً صحيحاً وفهمها، سواءً أكانت مستقلة أم في سياق لغوي، وقدرته على استخدام الكلمة المناسبة في المكان المناسب (طعيمة، 1989). ويعرّف اكتساب مفردات اللغة العربيّة الفوري إجرائيّاً على أنه: إمكانيّة الاستخدام المباشر بعد تطبيق التجربة لمفردات اللغة العربيّة في التواصل الشّفوي لدى أطفال الروضة المختارة النّاطقين بغير اللغة العربيّة. وتمّ قياسه بالمقياس المطوّر خصّيصاً لهذا الغرض. ومن الأمثلة على هذه المفردات ما يشير إلى أسماء الحيوانات، والطعام، والأدوات، وأجزاء جسم الانسان.
اكتساب المفردات المؤجّل: أو ما يعرف بالاحتفاظ وهو القدرة على استدعاء أو تذكر المفردات بعد فترة من الزمن. وقد يعتمد الاحتفاظ على جودة التدريس، أو اهتمامات المتعلمين، أو فعالية المواد المستخدمة في ذلك (Richards and Schmidt, 2002, p. 457). ويعرف اكتساب مفردات اللغة العربيّة المؤجل إجرائياً على أنه: إمكانية استخدام مفردات اللغة العربيّة في التّواصل الشّفوي لدى أطفال الروضة المختارة النّاطقين بغير اللغة العربيّة خلال فترة شهر من تاريخ انتهاء تطبيق التجربة.
الأطفال النّاطقين بغير اللغة العربيّة: هم أطفال تكون لغتهم الأمّ لغة أجنبيّة غير اللغة العربيّة. وإجرائيّاً: هم أطفال الرّياض من (4-6) سنوات والملتحقون بروضة بيت التّلة الواقعة في عمان، في الفصل الثاني من العام الدّراسي 2016/ 2017م، ولغتهم الأولى هي لغة أجنبيّة غير اللغة العربيّة، وهم من جنسيّات وخلفيّات ثقافيّة متنوّعة، ومن كلا الجنسين.
الطريقة الاعتيادية في التدريس: يعرّف التدريس بأنّه: نشاط تواصليّ يهدف إلى إثارة المتعلم، وإحداث التعلم، وتسهيل مهمّة تحققه. ويتضمن سلوك التدريس مجموعة الأفعال التواصليّة، والقرارات التي تمّ استغلالها وتوظيفها بكيفيّة مقصودة من المدرس، الذي يعمل باعتباره وسيطاً في أداء موقف تربوي – تعليمي (قطامي، 1994). وإجرائياً: هي الطريقة التي تم فيها استخدام كافة نشاطات التدريس المتّبعة في الروضة المختارة، والقائمة على استراتيجيّة اللعب التعليمي، عدا استخدام الألعاب التعليمية المحوسبة. من هذه الألعاب: لعبة الذاكرة ولعبة مسرح الدمى. وتمّ تطبيق هذه الطريقة بشكل فردي على أطفال المجموعة الضّابطة.
طريقة التدريس باستخدام الألعاب المحوسبة: طريقة من طرق التدريس التي تتم في إطار استراتيجيّة التعلم النشط، حيث يشترك الأطفال بلعب ألعاب محوسبة، تم اختيارها خصيصاً لملائمتها المحتوى موضع الدراسة (Sardone, Devlin-Scherer, and Martinelli, 2008). وإجرائياً: هي الطريقة التي تم فيها تدريس أطفال المجموعة التجريبية بشكل فردي من خلال ألعاب تطبيق (أ ب ت) لتعليم مفردات اللغة العربية للأطفال باستخدام الحاسب اللوحي، وهذه الألعاب تعتمد مبدأ الذاكرة والاختيار من متعدد، موزعة على عدة موضوعات رئيسيّة كالفاكهة، والخضار، والحيوانات، وأجزاء جسم الانسان، و…إلخ.
حدود الدّراسة ومحدّداتها:
تخضع الدّراسة إلى الحدود الآتية:
1. الحدود المكانيّة: تم تطبيق الدراسة في روضة بيت التّلة الواقعة في عمان/ الأردن.
2. الحدود الزمانيّة: تم إجراء الدراسة في الفصل الثاني من العام الدّراسي 2016/ 2017م.
وتتناول هذه الدّراسة استقصاء أثر استخدام الألعاب المحوسبة في الاكتساب الفوري والمؤجّل لبعض مفردات اللغة العربيّة لدى الأطفال النّاطقين بغيرها في الأردن، ولذا فإنها تتحدد بما يلي:
1. اقتصرت هذه الدّراسة على عينة من أطفال الرياض غير النّاطقين بالعربيّة، الملتحقين بروضة بيت التلة الواقعة في عمان/ الأردن، والملتحقين بالفصل الثاني من العام الدراسي 2016/ 2017م.
2. تحدّدت نتائج هذه الدراسة بصغر حجم العينة المكون من 20 طفلاً وطفلة من أطفال روضة بيت التلة.
3. تحدّدت نتائج الدّراسة بمدى صدق وثبات ما استخدمته الباحثة من أدوات مطوّرة من قبلها، والتي هي عبارة عن مقياسين يهدفان لقياس أثر الألعاب المحوسبة في اكتساب بعض مفردات اللغة العربيّة الفوري والمؤجل لدى الأطفال النّاطقين بغيرها.
4. كما تحدّد تعميم النّتائج في ضوء الوسيلة المستخدمة في طريقة التّدريس موضع الدّراسة، وهي مجموعة ألعاب تعليميّة محوسبة خاصّة بتعليم مفردات اللّغة العربيّة للأطفال الناطقين بغيرها، والموجودة ضمن تطبيق: (أ ب ت) المتوفر على متجر غوغل الإلكتروني.
5. اعتمدت هذه الدّراسة التطبيق الفردي على كلا المجموعتين التجريبيّة والضّابطة.
الفصل الثّاني
الإطار النّظري والدّراسات السّابقة
الفصل الثّاني
الإطار النّظري والدّراسات السّابقة
يتناول هذا الفصل عرضاً للإطار النّظري والدّراسات السّابقة ذات الصّلة بموضوع هذه الدّراسة:
أولاً: الإطار النّظري، وتمّ فيه تناول موضوع اكتساب مفردات اللغة العربيّة لدى الناطقين بغيرها من حيث مفهومه وأسسه وأهميّته. بالإضافة إلى موضوع استخدام الألعاب المحوسبة في عملية التعلم، من حيث ماهيتها، ومبادئها، وأهميتها، ودورها في العملية التعليمية التعلمية، ومزايا استخدامها في تعليم مفردات اللغة الأجنبية.
ثانياً: الدّراسات السّابقة، وقد تمّ عرض الدراسات والبحوث التربويّة المتعلّقة بموضوع هذه الدّراسة. حيث قامت الباحثة بكلّ من المسح الإلكتروني باستخدام الحاسوب، والمسح اليدوي لرسائل الماجستير والدكتوراه، والأبحاث المنشورة في المجلات الدّورية المحكمة، والاطّلاع على الكتب والمراجع ذات العلاقة بموضوع الدّراسة.
أولاً: الإطار النّظري
يدعو الكثير من مختصّي اللغة العربية إلى الاهتمام بنشرها في العالم، والعمل على تسهيل تعلمها من قبل الناطقين بغيرها، مع التركيز على مجال تعليم المفردات باعتباره ركيزة أساسيّة في عملية تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية، والاهتمام بالأساليب والوسائل المستخدمة في ذلك، وصب الجهود على إيجاد سبل فعّالة، وخاصّة في عملية تعليم هذه اللغة للأطفال. ولكن لا يلقى تدريس المفردات اهتماماً واضحاً أثناء تعليم اللغة العربيّة كلغة أجنبيّة في وقتنا الحاليّ، ويعاني من نقص واضح في المواد التعليمية المرتكزة على المهام المختلفة، بالإضافة إلى ضعف الاستراتيجيات المستخدمة في ذلك (Mohamed, 2015). إذ إنّ لاستراتيجيات تعلّم المفردات الأثر البارز في تنمية قدرات الدّارسين على اكتساب مفردات اللغة الهدف، بل إنها تعدّ نقطة مهمّة لمتعلّمي اللغة (Azman and Goh, 2010). وإنّ قلّة المخزون اللغوي لدى دارسي اللغة تؤثّر سلباً في تعلّمها، لاسيما في تعلّم اللغة العربيّة. فالنّجاح في تعلّم هذه اللغة يقوم على أساس إيجاد توازن بين المهارات اللغويّة الأربع التي يزوّد بها التّلاميذ، كما يرتكز أيضاً على إثراء حصيلة المفردات لديهم، والتي تلعب دوراً مهمّاً في تلك المهارات (عبده، 2010). وأيضاً، فإنّ الاهتمام بحصيلة المفردات يساعد على زيادة الخبرات والمعارف والتّجارب والمهارات لدى المتعلم، وبالتّالي زيادة المحصول الفكري، والثقافي، والفني بشكل عام. ويساعد أيضاً على فهم وإدراك القراءة، وفهم التّراث الفكري والنصوص الأدبيّة (Ricks, 2015).
ولهذا يعتبر تعلم المفردات من التّحديات البارزة التي تواجه متعلمي اللغة العربية كلغة أجنبية. وبما أنّ تعلّم المفردات مطلب أساسيّ من مطالب تعلّم اللغة الأجنبيّة، فقد نادى العديد من مختصّي تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية بتقديم تعليم المفردات، وإعطاءه الأولويّة في هذه العملية، وجعله محطّاً لاهتمام مناهج تعليم اللغة العربية، والأنشطة الصفيّة، والمواد التعليميّة المرافقة لها (Al-Batal, 2006). كما تمّ وضع مجموعة من المعايير التي يجب أن تراعى في المحتوى اللغويّ لمنهج اللغة الثّانية، ومنها كما يشير مدكور وهريدي (2006):
…..
1. التّواتر: بمعنى تفضيل الكلمة شائعة الاستخدام على غيرها.
2. التّوزع أو المدى: ويقصد بهذا المعيار تفضيل الكلمة التي تستخدم في أكثر من بلد عربيّ على تلك التي توجد في بلد واحد.
3. الإتاحة: أي تفضيل الكلمة التي تكون في متناول المتعلّم، والتي تؤدّي له معنى محدّداً.
4. الألفة: أي تفضيل الكلمة التي تكون مألوفة عند الأفراد عن الكلمة المهجورة نادرة الاستخدام.
5. الشّمول: أي تفضيل الكلمة التي تُغطّي عدّة مجالات في وقت واحد على تلك التي لا تخدم إلا مجالات محدودة، فكلمة (بيت) أفضل من كلمة (منزل) فيمكن القول: بيت = منزل، بيت الله = الكعبة، …الخ.
6. الأهميّة: تفضّل الكلمة التي تشبع حاجة معيّنة عند الدّارسين، وتحقّق رغباتهم.
7. العروبة: تفضّل الكلمة العربيّة على غيرها. مثل تقديم كلمة هاتف بدلاً من التليفون والحاسوب بدلاً من الكمبيوتر… وهكذا.
8. التّجسيد: بالنّسبة للأطفال يفضّل استخدام المفردات التي يمكن تجسيدها، أو بيان معناها من خلال الرّسم أو الصّورة، علی الكلمات أو المفردات المجرّدة.
9. أن يراعى التّدرج في عدد المفردات الجديدة في كل درس (ص:105-106).
كما يفضّل تدريس المفردات المتعلّقة بالموضوعات التالية، لأنّها تنمّي المخزون اللغوي لدى الطالب غير الناطق بالعربية وخاصّة في المراحل الأولى من تعلمه للغة، وهي: الأسرة، وجسم الإنسان، والرّحلات، والّرياضة، والملابس، والمنزل، والأفعال، والطعام، والمدرسة (سكر، 2016). وحسب عبد الباري (2011) فتكون المفردة غير مناسبة لتدريسها للطلاب غير الناطقين بالعربية بناءً على ما يلي: "1-عدم القدرة على شرح الكلمة الصعبة أو الجديدة أو تفسيرها أو تقديم وصف عام حولها بكلمات أخرى معروفة لدى الطلاب -2- كون اللغة المقدمة للدراسين كلمة تراثية مهجورة، أو أن تكون بعيدة عن اهتماماتهم" (ص: 12). كما يشير شميت وايشي (Schmitt and Ishii, 2009) إلى أنه يمكن قياس اكتساب المتعلمين لمفردات اللغة من خلال قياس عدد المفردات التي يمتلكونها في مخزونهم اللغويّ، ومعرفتهم الجيّدة بها.
ومن جانت آخر، تدعم العديد من الدراسات تعليم اللغة الأجنبية للأطفال، ويشير القاسمي (2005) إلى أن الأطفال الذي يتعلمون لغة أجنبيّة يصبحون أكثر تفتّحاً على الثّقافات الأخرى، وأكثر تفهّماً لقيمها، لأنّ اللغة هي الواجهة المنطوقة للثّقافة. كما يصبح أولئك الأطفال أقدر على التواصل مع الآخرين، ويكتسبون قدرات إبداعيّة تساعدهم على مواجهة التحديّات وحل المشكلات، وتساعدهم على التّمتع بشخصيّة ناجحة في الحياة. ولكن، يفضّل أن يتمّ تعليم اللغة الأجنبية للأطفال الصّغار في بيئة صفيّة داعمة ومحفّزة، وأن توفّر لهم فرصاً لتطوير اللغة من خلال أساليب واستراتيجيات مناسبة لعمر الأطفال ومراحل نموهم المعرفي.
ولعلّ أحد الاستراتيجيّات المتّبعة في تعليم مفردات اللغة الأجنبية للأطفال هيه استراتيجية التعلم باللعب. فقد اتجه التربويون إلى اعتماد اللعب في عملية التعليم والتعلم لما يقوم به من دور أساسي في عملية النمو المعرفي للأطفال، وخاصة أطفال مرحلة الرياض. وأظهرت العديد من الدراسات ونظريات علم النفس أهميته وفعاليته في ذلك (عثمان، 2010). إذ يعتبر اللعب بشكل عام في النظريّة المعرفيّة، وخاصة من منظور بياجيه، عنصر أساس في عملية النموّ المعرفي لطفل الروضة، ويكون النشاط الحركي للطفل هو الأساس في هذه العملية. فيعتمد طفل الروضة في تعلمه على اللعب والنشاطات الحركية بشكل كبير. وحسب نظريّة بياجيه للنموّ المعرفي لدى الأطفال؛ يكون الطفل في مرحلة ما قبل العمليّات بين سنّ الثّانية والسّابعة غير قادر كليّاً على القيام بعمليات تفكير عقليّة مجردة، بل يعتمد الكثير من عملية تعلمه على النّشاطات البدنيّة كاللعب، الذي يساعده على تمثيل وإدراك محتوى التعلم الموجود في البيئة المحيطة عن طريق هذه النشاطات البدنيّة (ولفولك، 2015). وتوضح محمد (2008) ذلك بأن اللعب في هذه المرحلة يساعد على الانتقال من اللعب بالأشياء (اللعب الحسّي الحركي)، إلى التفكير بالأشياء (اللعب الرّمزي). أي يساعد اللعب على فهم الأشياء المجرّدة عن طريق النّشاطات البدنيّة التي يحتويها.
كما أنّ بعض أنواع اللعب تتيح للأطفال الفرصة بتطوير مخزونهم اللغويّ من خلال التكلّم مع بعضهم بعضاً. حيث ترتبط الأفعال في اللعب مع الكلمات، ويقوم الأطفال باستخدام هذه الكلمات فيما بينهم. فكلّما ازداد تفاعل الأطفال مع الآخرين تزداد إمكانيّة نموّ مخزونهم اللغويّ، وتزداد قدرتهم على تطوير مهارات اللغة الشفوية (عبد الله، 1997). ويعزّز اللعب التواصل والتفاعل الشفوي بين الأطفال، ويضعهم في موقع استخدام ذي معنى للغة. فالأطفال يتعلمون وهم يلعبون في سياق نشاط ما، وتلك طريقة وظيفيّة ملائمة لتعلمهم. ويكون تنظيم خبرات التعليم وفقاً لما يعرف باللعب التعليميّ، حيث يجري اللعب بطريقة لا يفقد معها عفويته، ويحث الأطفال على التّفاعل النّشط مع المثيرات الحسيّة التي تجذبهم، وتشدّ انتباههم، وتلبّي حاجاتهم، وتنمّي مهارات التفكير لديهم (الحيلة، 2003).
ويساعد اللعب خلال سنوات الطفولة المبكّرة في تكوين شخصيّة الفرد، وبناء نفسيّته في جميع مراحل نموه. ويمكّن الطفل من اكتشاف البيئة المحيطة به، ومن خلاله تتطوّر لغة الطفل وتفكيره، فتدعم الجوانب الاجتماعية والعاطفية لديه، ويتحسّن نموه العقلي والجسمي أيضاً (عثمان، 2010). ومن الأهداف العامة التي يحقّقها اللعب للطفل حسبما ذكرته محمد (2008) هي كالآتي:"1-تشويق الطفل وتنمية استعداده للتعلم -2-بناء شخصيّة الطفل من جميع النّواحي -3-مساعدة الطفل على تعلم المواد المدرسيّة" (ص:166-167). وذلك إذا ما خضع اللعب لأهداف محددة، وفي إطار خبرات منظّمة.
ومجال التعليم في الوقت الحالي لا بد من أن يواكب التطوّر التّكنولوجي، كي يصبح أكثر كفاءة وفعاليّة، وأن يحتوي أساليب ووسائل محبّبة للمتعلمين الصغار مثل اللعب من أجل دعم عملية تعلمهم. فظهر ما يعرف بالتعلم القائم على الألعاب المحوسبة DGBL (Prensky, 2001). إذ تعمل هذه الألعاب على دمج المتعلم في خضم الممارسات الثقافيّة والمعرفيّة المحوريّة في عصر المعلومات. وتجسد مبادئ قويّة للتعلم، والتي من الممكن ان يقتدي بها المربون. ويكتسب لاعبو هذه الألعاب مفردات ومفاهيم جديدة، بالإضافة إلى نظم تفكير وطرائق جديدة للنظر الى العالم المحيط، والتي من الممكن أن تطبق في المجالات الأكاديميّة (Squire, 2005). وعليه فإنّ توظيف هذه الألعاب في مجال تعليم اللغات الأجنبية للأطفال قد يدعم عملية تعلمهم، خاصة وأن سن الطفل يساعد المعلم على تطبيق أساليب أكثر تشويقا أثناء تعليم اللغة (القرني، 2005). ولكن لاتزال قليلة هي الدّراسات التي بحثت في فاعليّة هذه الألعاب في تعليم اللغة الأجنبية لدى طفل الرّوضة.
أوضحت العديد من الدّراسات دور اختيار الألعاب المحوسبة على أسس علمية وتربوية، من أجل الحصول على نتائج أفضل في عملية التعلم. فيفضّل اختيار الألعاب المحوسبة الجيدة التي تتضمّن تقنيّات تدعم أنواعاً مختلفة من التعلم، ممّا يسهّل عملية استخدامهم في العملية التعليمية (Gee,2003)، وأيضا فإن هذه الألعاب قد تزود المتعلمين بإمكانيّات أكبر للتعلم، إذا تمّ تصميم هذه الألعاب بشكل محكم قائم على أسس ومعايير تربويّة محدّدة. فالمنحى التعليمي المستخدم فيها هو عنصر أساسي (Whitton and Maclure, 2017).
وقد صرّح الباحثون بوجود عدّة مبادئ للتعلم القائم على الألعاب المحوسبة (DGBL)، إذ يصنفها كلارك وماير (Clark and Mayer, 2011) كالآتي: 1-مناسبة نوع اللعبة لأهداف التعلم، 2-جعل التعلم أساسي في عملية التقدم أثناء اللعب، 3-تضمين استراتيجيات تعليمية مثبتة، 4-تضمين إرشادات وهيكل تنظيمي، 5-التحكم بالصعوبة، 6-إبراز وثاقة الصلة بالموضوع. فالألعاب تكون فعّالة حسب محتوياتها، وحسبما يفعله المتعلم أثناء استخدامها. أيضا فإن الألعاب الجيدة، والتي تعمل على دمج المتعلم في عملية التعلم، هي تلك التي لا يسهل حلّها، بل تتطلّب تفاعلاً مستمراً من قبل المتعلم، وتزوده بالتّغذية الرّاجعة (Van Eck, 2006). وقد حدد قنديل وبدوي (2007) معايير اختيار الألعاب التعليمية المحوسبة للأطفال فيما يلي:
…..
1. أن تحتوي على خاصية الأصوات في عملها.
2. أن تعبر عن فكرة واحدة غير متشعبة، وتكون قليلة التفاصيل حتى لا تشتت الأطفال.
3. سهولة استخدام اللعبة من حيث تشغيلها من قبل الطفل، وإمكانية دخوله وخروجه من البرامج بسرعة وسهولة، وأن تكون الأيقونات والصور كبيرة وواضحة يختار منها الطفل بسهولة وسرعة (ص: 216).
يتّضح مما سبق دور تعليم المفردات كأساس لتعليم اللغة العربية كلغة أجنبية، كما يلاحظ الدور البارز للعب في عمليّة تعلّم الأطفال بشكل عام، ودوره في زيادة المخزون اللغويّ لديهم. ويتّضح أيضاً دور الطريقة المستخدمة في اختيار الألعاب التعليمية المحوسبة المناسبة من أجل تحقيق ذلك، وبنائها على أسس علميّة محدّدة، وضمّ أطر واستراتيجيّات تعليمية مدروسة في محتواها، كي تأتي بالنّتائج المرجوّة. فمجال التعليم باستخدام الألعاب المحوسبة لا يزال مجالاً جديداً، وتركّز هذه الدّراسة على أثر استخدام الألعاب المحوسبة في تعليم بعض مفردات اللغة العربية للأطفال الناطقين بغيرها، وأثر ذلك أيضاً على عملية الاحتفاظ بهذه المفردات.